«غيبة مَي».. رحلة في تخوم الذاكرة والغياب، مقال يستكشف أعماق الأدب والتجربة الروائية. دعونا نغوص في هذه الرحلة الأدبية التي قدمتها أسماء صديق المطوع، مؤسسة صالون الملتقى الأدبي، حيث جمعت بين عضوات الملتقى والروائية نجوى بركات والناشرة رنا إدريس في جلسة أدبية شيقة.
في البداية، ألقت المطوع الضوء على طبيعة هذه الجلسة، مشيرة إلى أنها مساحة خفية لا يكشفها إلا الأدب، حيث نستمع لما لا يُقال ونقترب من تلك الزوايا المخبأة في الذاكرة والغياب. ثم انتقلت للحديث عن رواية «غيبة مي» المدرجة ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، والتي وصفتها بأنها نص لا يُروى بقدر ما يُعاش، حيث تأخذنا في رحلة إلى تخوم الذاكرة والغياب والإنسان.
شخصية «مي» في الرواية هي محور الحديث، فهي ليست مجرد شخصية روائية، بل حالة إنسانية فريدة. «مي» امرأة تتآكل بين ذاكرة تخون وجسد ينهك وعالم يتبدل من حولها. إنها مرآة تعكس قلق الإنسان وأسئلته الوجودية. في أعمال نجوى بركات، نستدرج إلى مواجهة أنفسنا، حيث اللغة أداة حفر في طبقات النفس.
تتساءل المطوع: ماذا يحدث حين تتآكل الذاكرة؟ إنها أسئلة موجعة تطرحها الرواية، وتجيب عنها بركات من خلال مشروعها السردي العميق. «مي» هي امرأة في الثمانين من عمرها، تنظر بعينيها وتتحرك بحركاتها، وكأنها تكتشف العالم لأول مرة دون أن تدرك ذلك. إنها رحلة في الزمن، حيث الماضي والحاضر يتداخلان في ذاكرة متآكلة.
وتضيف المطوع أن بيروت، المدينة التي تشبه «مي»، تشهد هي الأخرى انهيارًا صامتًا. الغياب هو مسار طويل من التلاشي، حيث تتلاشى الذكريات وتتلاشى معها الأماكن والأشخاص. إنها رحلة في تخوم الذاكرة والغياب، حيث يصبح الماضي حاضراً في كل لحظة.
في معرض ردها على التساؤلات حول الخيبات في الرواية وما يحدث في لبنان، ترى بركات أن كل قراءة جمالية للنص هي فائدة أدبية. الكاتب، بعد انتهاء عمله، يصبح مثل القراء، ولا يمكنه تصحيح ما كتبه، لأن عملية الكتابة تجري على عدة مستويات، وخطة الكاتب نفسه قد تتغير.
وتكشف بركات عن نيتها في البداية للكتابة عن امرأة عجوز، لكن «مي» كانت أقوى من ذلك، فاستحضرتها بركات في سن الثمانين، وكأنها ترى العالم بعينيها وتتحرك بحركاتها. إنها عملية متصلة، حيث تكتشف «مي» العالم دون أن تدرك أنها تفعل ذلك.
أما عن التوازن بين «مي» وبيروت، فذلك لأن «مي» كانت تأمل بأن يتسع لها المكان، إن سمحت لها بيروت بذلك. إنها علاقة بين الإنسان ومدينته، حيث تتآلف الذاكرة مع المكان، وتصبح جزءًا منه.
في الختام، «غيبة مَي» هي رحلة أدبية عميقة، تستكشف تخوم الذاكرة والغياب والإنسان. إنها دعوة للتفكير في قلق الإنسان وأسئلته الوجودية، وفي علاقته مع الزمن والمكان. إنها رحلة في أعماق النفس البشرية، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال.